محمد خليل المرادي
61
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
فلا زلت معمور الذرى طيّب الثنا * منيع الحمى تقفو طريقته المثلى تزيد على مرّ الزمان نبالة * ويصحبك التوفيق والعزّ والتقوى ولا زلت مرجوّ النوال مكرّم ال * خصال إلى أن ينقضي أمد الدنيا ثمّ أتبعها بقوله نثرا : الجناب الأعظم ، والمقرّ الأشرف ، بسط اللّه ظلّه الوارف ، وخار له في الظعن والإقامة ، وسرّ أولياءه بما أقدمه عليه من النعمة السابغة والسلامة ، وأطلع من وجهه الوضّاح على محبّيه ، ما ينكشف به الظّلام والظّلامه . بنعمة جاءت كما نشتهي * من عند ربّ العرش مسراها أتت وقد جرّت ذيول الهنا * بأيّ شكر نتلقّاها فالحمد للّه على أنّنا * نحمد أولاها وأخراها فلا شانت الأيّام صفوها ، ولا نحا الحدثان نحوها . لينتشر له من السعد ما هو كامن . ويجد به مقعد المعالي منحطّا له ومتطامن . على أنّ هذا العبد الدّاعي لم يزل يخدم هذا الباب بدعاء بينه وبين القبول علائم . ويستمسك من أرج وداده بأعظم القواعد وأثبت الدعائم . ويبثّ ثناء لا يفعل بالألباب فعل المدام . فتقهقه منه المحابر وتضحك الأقلام . على أنّي أسأل اللّه أن يفيض ملابس إحسانه على من أمّ حرمه ، ويجبر بعطفه على من كسره الزمان وحرمه . آمين . أمّا بعد : فإنّ هذا الدّاعي القديم . والمحبّ الذي هو في أوطان محبّتكم مقيم ، لما جرى عليه من سوء الحدثان ما جرى تشبث في معاشه باذناب البقر . واضطرّ إلى أن يجعل لها في منابيع إحسانكم مشربا ومستقرّ . فاطّلعت بهذه المناسبة على أحوال ، وتعلّقت أماني بآمال ، فمن جملة ذلك ما رأيته من نفرة المزارعين في مزارعكم من الأكّار ، الذي هو الحاجّ أحمد آغا الخزنة دار المكّار ، بحيث إنّهم عوّلوا على تركها ما دام خوليّا . وجعلوا صبرهم على غدره حوليّا ، وتحقّقوا أنّهم خرجوا من سلفه إليه كمن فرّ من المطر إلى تحت الميزاب . وصاروا من ذلك في نقض وإبرام ، وإقدام على النقلة من ترك الزرع وإحجام . فأسرّوا بعد ذلك إليّ ، وعوّلوا في آرائهم عليّ ، لعلمهم بانتسابي إليكم . وسابقة احتسابي عليكم . وهنا أمور كثيرة لا أطيل بذكرها ، وخلاصة الأمر أنّهم في عام إحدى وتسعين الذي تتمّ به مدّة إجارته والتزامه ، صمّموا على أن يطبّقوها زرعا فلحانها والحصيد ، بناء على أنّهم يستوفون آثار العمل من الأرض ولا يبقى لهم فيها عرض ، فإن جدّد أحمد الإجارة ، أزمعوا على الرحيل ولحقوا بالغارة . فجاء المطر غزيرا في هذه العام . وقال أهل النظر سلّمه السّلام ، ولم يظهر للإجارة خبر ، وأراد الحاج أحمد أن يضع يده فضولا ، التي هي في المظالم طولى ، فبادرت إلى منعه ، وأعملت